زيرو وموّحد

كتبهااحمد حسن الزعبي ، في 18 تشرين الثاني 2007 الساعة: 06:36 ص

زيرو و موحَّد
أنا أكره هذا الإنقسام الطبقي - التاريخي- بين صنفي الطحين (الزيرو و الموحّد)،لإن في ذاكرتي قطوف من الحرمان - مغمّسة ببرد الشتاء وقَطْر اللذة - لا زالت تثقلُ معرّش طفولتي..

كنت كلما داهمتني شهوة العوّامة في إحدى الأمسيات الباردة ،واهتز جذع شجرة على نافذة غرفتنا الوحيدة منتشياً لرشّة مطر خجولة ، أتبع أمي مثل قط لحوح طالباً منها طرحة عوامة عاجلة تتصدر سهرة المساء . أمسك بطرف ثوبها ،أعرقل مسيرها ،أتظاهر بالسقوط أمامها ، أصادر سجادة صلاتها ، ثم أمطرها بعبارات لا تنتهي من الإلحاح المتتابع يا يمّه.. يا يمّه.. يا يمّه.. يا يمّه.. ساويلنا عوّامة وأشير لها بيدي الصغيرتين ، فقط صحن صغير ، فتشرح لي بأن العوّامة بدها طحين زيرو .

لم أكن أعرف أن هذا الانقسام العظيم بين صنفي الطحين يقف حائلاً أمام رغبتي الجامحة بتذوق العوامة ،لذا كنت أشير الى الكيس المركون في زاوية المطبخ مثل رجل متكرّش سائلاً: وهاظ شو ؟ ، فتقول: هاظ موحّد !!!..فتراني أفقد أعصابي وأصعّد الموقف بأن أنفض حفّايتي من قدمي بشكل عامودي ، فترتفع كل فردة عدة أمتار الى أعلى وتسقط قربي أو على رأسي فيزيد بكائي و جعيري ، الشيء الذي كان يفقد أمي أعصابها أيضاَ فأسمعها تطلب من أحد الأخوة المتعاونين: ( اقضبولي اياه) ..فأختار إحدى الحسنيين: إما الهرب وإما السكوت..

بالفعل كان إقناع الوالدة (بعجنة عوامة) آنذاك أشبه بطلب قرض بنكي ، فيه من طول الاجراءات والخصميات والتشويق والمنّة وإحضار الكفلاء اللازمين ما يفقدك لذة المطلوب..كل ذلك بسبب (الزيرو) طبعاً.

*** لقد أدركت بوقت متأخر من العمر أن الطحين (الموحّد) يصلح للخبز العادي فقط ،بينما (الزيرو) خاص بالخبز المحسّن والحلويات و المعجّنات الأخرى والكعك ، بسبب نكهته وجودته وسرعة نضوجه ،كما فهمت أيضاَ ان الطحين (الموحّد) صديق الغلابى المكتفين بلقمة العيش الحافية، بينما (الزيرو) صديق الأغنياء الباحثين عن اللقمة الحلوة المرفّهة…

***

قبل أسابيع اتسع الفارق كثيرا بين سعر طحين الزيرو وسعر الموحد..مما يعني أن الفارق الطبقي سيتسع بين الناس ، وسيصبح هناك ناس (زيرو): أصحاب النفوذ ، والوظائف العليا،واللصوص ، وتجار الدماء . و ناس (موحّد): الفقراء و أصحاب الوظائف الدنيا ،و الدخل المحدود، والحيل المهدود …

و(يا خوفي) من تمدد الصنف الثالث المنسي : أناس (الطحين المرّ) ، الذين طحنوا طويلاً بفقرهم وصمتهم وجوعهم وينضجون الآن بنار التهميش..

ahmedalzoubi@hotmail.com

احمد حسن الزعبي
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “زيرو وموّحد”

  1. الله يسعد هالصباح يا احمد شو هادا زيرو وموحد فكرك سياسة استعمارية لعقولنا لجيوبنا لصمتنا لجوعنا لتهميشنا …….. هي هيك سياسة استعمارية بحته

  2. مشكور دائما على ابداعاتك وقربك من هم الناس

    اعتقد مستقبلا ان يتم توحيد القسمين مثل (البنزين سوبر وعادي كما يقال العام المقبل)

    والسعر بالاخير على كاهل المواطن

    تحياتي مرة اخرى

  3. نعم سياسة استعمارية لا فض فوك يا احمد وكم هو جميل ما تعلقين به وطن

  4. مرحبا

    الى وطن ……. يبدو ان المدونات في عصرنا هذا السريع هي الباقية والتي تطمئنا ان الاعزاء بألف خير مقاله جميلة الاخ احمد الزعبي ……وطن اتى الشتاء …… لما المطر يغسل شوارعنا القديمه والحارات ……..

    ……نزار



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر